ابن الحسن النباهي الأندلسي
106
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
بالأندلس قديما ، قد أبدى الخشوع ، وهو باك ، ودموعه تسيل على لحيته ؛ فتقدّم إلى جناح المحراب عن يمين الإمام ، وقد كان فرش له هناك حصير ليصلّي عليه ؛ فدفعه برجله ، وأمر بنزعه ، وجلس على الأرض ، وشهد الاستسقاء ؛ فلمّا تمّ ، أمر القاضي بتفريق صدقات كثيرة من مال أو طعام عن خليفته وعن نفسه . ولهجت العامّة بذمّ القاضي ، واستبطاء الرحمة بوسيلته ، وأطلقوا ألسنتهم بالطّعن في دينه ، ووصفه بالركون إلى ابن أبي عامر ، وعابوه بالقبول لهداياه ، والاستساغة لعطيّته ؛ فلمّا تكرّر بالاستسقاء وإبطاء الغيث ، هاجت العامّة في بعض بروزه إلى الرّبض ، وثارت ، فاجتمعوا إليه بعد إتمامه الصلاة ، يعطعطون « 1 » ، وينكتونه بمعابه ، ويقولون له : « بئس الوسيلة أنت إلى اللّه تعالى والشفيع في إرسال الرحمة ، إذ أصبحت إمام الدين ، وقيّم الشريعة ! ثم لا تتورّع عن قبول ما يرسل به إليك من الهديّة التي لا تليق إلّا بالجبابرة » وأبدوا في ذلك ، وأعادوا ، وهمّوا أن يبسطوا إليه أيديهم ويمتهنوه ، حتى لاذ منهم بالتّربة المنسوبة إلى السيّدة مرجان ، بمقبرة الرّبض بقرطبة ؛ وكانت حصينة الأبواب ، منيعة الأسوار ، فصار فيها ، وأغلق أبوابها عليه ، واحتصن بها منهم ؛ وأرسل إلى صاحب المدينة يستغيثه ، فأرسل الفرسان والأشراط إلى ناحيته ؛ فكشفوا عنه من كان قد تلفّف به من العامّة ، وفرّقوهم ، وانصرف إلى داره سالما ؛ وقد لقي منهم أذى شديدا . فلمّا عاود البروز إلى الاستسقاء بعد ذلك أرسل المنصور إليه خيلا كثيرة من عنده ، أحاطت بأكناف المصلّى عند تكامل الناس فيه قبل الصلاة ، استظهر بهم على شغب العامّة ؛ فلم يجسر أحد من السّفهاء على النطق بكلمة شرّ . وكان لا يجلس للحكومة حتى يأكل ؛ وكان موصوفا بطيب الطعام : له منه ومن الحلواء والفاكهة وظيفة معلومة . وكان يقول : « لا شرف في لونين » ورفع فيه - على ما حكاه عياض - حديثا لبعض السّلف . ثم قال : توفّي - رحمه اللّه - في رمضان سنة 381 . ومولده في رمضان سنة 319 . وتفاقده الناس . وأثنوا عليه حسنا . وأظهر ابن أبي عامر لموته غمّا شديدا ، وكتب لورثته كتاب حفظ ورعاية انتفعوا به ؛ واستدعى ابنه محمدا ، وهو طفل ، ابن
--> ( 1 ) يعطعطون : يقولون : عيط عيط . محيط المحيط ( عطعط ) .